رام الله – نزار حبش / وطن - تعيش بلدة الطيبة، شرق رام الله، تصعيدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين خلال الأشهر السبعة الماضية، شملت حرق مركبات، تخريب ممتلكات، استهداف الأراضي الزراعية، والاعتداء على مواقع دينية وأثرية، في ما وصفه الأب بشار فواضلة، راعي كنيسة اللاتين في الطيبة، بأنه "مخطط ممنهج لفرض السيطرة وتهجير السكان".
وفي مقابلة مع برنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية، أوضح الأب فواضله أن آخر الاعتداءات وقع فجر يوم 4 شباط الماضي، حيث تم حرق مركبتين جديدتين، إحداهما لأحد أبناء البلدة والأخرى لشخص أجنبي مقيم فيها، مشيرًا إلى أن هذا الاعتداء هو الرابع على المركبات خلال فترة قصيرة، وأن نحو سبع سيارات أُحرقت منذ تموز الماضي وحتى اليوم.
اعتداءات يومية وهدف واحد: السيطرة والتهجير
وبيّن الأب فواضله أن الاعتداءات على الطيبة وقرى شرق رام الله "شبه يومية"، وتأتي في إطار سياسة منظمة تهدف إلى فرض سيطرة أمنية كاملة عبر المستوطنين، وخاصة ما يُعرف بـ"فتيان التلال"، الذين يعملون على الاستيلاء على الأراضي الزراعية والفارغة، ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، كما حدث خلال موسم الزيتون الماضي.
وأكد أن ما يجري "ليس اعتداءً على الوجود المسيحي فقط، بل على الوجود الفلسطيني بأكمله في هذه الأرض"، موضحًا أن الاعتداءات تشمل قرى المغير، ترمسعيا، دير دبوان، رمون، دير جرير، ووصلت مؤخرًا إلى بيرزيت وعين عريك وأطراف عبود.
استهداف مباشر للمواقع الدينية والأثرية
وفي حديثه عن استهداف المواقع المقدسة، كشف الأب فواضله عن تعرض محيط كنيسة القديس جورجيوس (الخضر)، التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الخامس الميلادي، لحرائق متكررة خلال شهري تموز وآب الماضيين، ضمن ما وصفه بـ"استراتيجية من خمس نقاط" يعتمدها المستوطنون.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية تشمل:
1. إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، خاصة البدو في مناطق مثل المعرجات شرق رام الله.
2. تدمير الأراضي الزراعية عبر الرعي الجائر واقتلاع أشجار الزيتون.
3. حرق الأراضي الفارغة لترهيب السكان وإرسال رسائل سيطرة.
4. الاعتداء على المنازل والمركبات عبر الحرق وكتابة شعارات عنصرية.
5. القتل أو التهديد به بهدف تهجير الناس والاستيلاء على الأرض والمنازل.
خوف حاضر… لكن الثبات أقوى
وعن الحالة النفسية للسكان، قال الأب فواضله إن الخوف حاضر في الطيبة كما في سائر قرى الضفة الغربية، لكنه ليس الكلمة الأخيرة. وأضاف: "الخوف موجود، لكن الرجاء أقوى، والثبات أقوى، والمقاومة هي التي تعطينا أملًا بمستقبل أفضل".
وأشار إلى أن الهجرة باتت تهديدًا حقيقيًا للوجود السكاني في البلدة، حيث غادرت أكثر من 15 عائلة الطيبة خلال العامين الماضيين، وهو رقم كبير قياسًا بعدد السكان الذي يتراوح اليوم بين 1200 و1300 نسمة.
وأوضح أن عدد أبناء رعية كنيسة اللاتين انخفض من 746 فردًا قبل عشر سنوات إلى نحو 596 اليوم، فيما تراجع عدد سكان البلدة من 1500–1600 نسمة إلى ما يقارب 1200 أو أقل، مع وجود أكثر من 14 ألف من أبناء الطيبة في المهجر، خاصة في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا والأردن.
بيوت بلا سكان… وهوية مهددة
ولفت الأب فواضله إلى أن شوارع الطيبة باتت مليئة بالمنازل الخالية التي يزورها أصحابها مرة أو مرتين في العام فقط، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الكنيسة تحث المغادرين على عدم بيع أراضيهم أو بيوتهم، وتعليم أبنائهم اللغة العربية والحفاظ على الثقافة الفلسطينية، لضمان العودة والحفاظ على الوجود المتجذر منذ أكثر من ألفي عام.
وقال: "رسالتنا الأساسية لا تهجر بلدك، ولكن عند انعدام الخيارات والاضطرار على الهجرة لا تبيع أرضك ولا بيتك. لضمان وجودك المستمر حتى لو ابتعدت جسديًا".
زيارات دبلوماسية.. ولكن
وحول زيارات مجموعة من الدبلوماسيين الى الطيبة مؤخرا، قال الأب فواضله إنها بالغة الأهمية، لأنها شكلت حضور للطيبة في العالم، لكنها لم تعد كافية في ظل تصاعد الاعتداءات، داعيًا إلى تحويل التضامن السياسي إلى ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية، خاصة في ظل سياسات حكومة نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
وأشار إلى يوم 14 تموز الماضي، حين دعا بطاركة القدس ورؤساء الكنائس الدبلوماسيين للحضور إلى الطيبة، معتبرًا إياه يومًا تاريخيًا على الصعيدين الوطني والدولي، خصوصًا مع إقامة صلاة جماعية في كنيسة الخضر لأول مرة منذ أكثر من ثمانية قرون، في رسالة وحدة وأمل رغم النار.
الكنيسة تسد فراغ الدولة: عمل، إسكان، وإعلام
وأوضح فواضله أن الكنيسة في الطيبة تتحمل اليوم عبئًا وطنيًا يتجاوز دورها الديني، من خلال ما سماه "ثالوث العمل":
1. توفير فرص عمل ثابتة ومؤقتة للشباب.
2. تأمين مساكن عبر مشاريع إسكان كنسية لتثبيت الشباب في البلدة، خاصة في ظل تعقيدات الورثة التي تمنع استثمار البيوت الفارغة.
3. الضغط الإعلامي المحلي والدولي لكشف الاعتداءات وفضحها عالميًا.
وقال: "ما تقوم به الكنيسة ليس بديلاً عن الدولة، لكنه جزء من رسالتها الوطنية والإنسانية"، مؤكدًا أن الكنيسة تخدم المسلمين والمسيحيين دون تمييز.
وفي رده على سؤال حول دور الحكومة الفلسطينية، أشار فواضله إلى وجود تواصل دائم معها، لكنه شدد على أن المطلوب هو حضور ميداني أقوى ودعم مباشر لأدوات الصمود والحماية، قائلاً: "أنا بحاجة أن أراك بجانبي على الأرض، لا أن أرفع الهاتف كي تأتي".
الكنيسة صوت العدالة في الغرب
وعن الاهتمام الإعلامي الأوروبي، خاصة الإيطالي، بقضية الطيبة، قال فواضله إن الكنيسة المحلية ترى من واجبها إعلان الظلم والمطالبة بالحق والعدالة، مؤكدًا أن الدور المسيحي في فلسطين "جوهره أن يكون جسرًا بين الشرق والغرب"، وأن صوت الكنيسة مسموع عالميًا في الدفاع عن أبناء الشعب الفلسطيني.
وأضاف أن ما جرى في غزة جرح مفتوح، لكن الضفة الغربية أيضًا تنزف، والكنيسة مطالبة برفع الصوت من أجل العدالة والحرية والحياة الجديدة.
وفي حديثه عن المكانة الدينية للطيبة، أوضح الأب فواضله أن البلدة تُعرف في الإنجيل باسم "أفرام"، حيث ورد في إنجيل يوحنا (الإصحاح 11، الآية 54) أن يسوع لجأ إليها بعد إقامته العازر من الموت، وأن الطيبة استقبلت السيد المسيح قبل أكثر من ألفي عام وما زالت تستقبل الحجاج والزوار حتى اليوم.
وقال: "نستقبل الزوار لنقول لهم: هنا ألم، وهنا اعتداءات، وهنا وجود فلسطيني مسيحي أصيل يجب حمايته"، داعيًا الفلسطينيين في الداخل والشتات إلى زيارة الطيبة، دعم منتجاتها، وتشجيع السياحة الداخلية فيها.
دعوة مفتوحة للصمود والدعم
وختم فواضله بدعوة الجميع إلى زيارة الطيبة، الإقامة في بيوت الضيافة والأديرة، والمشاركة في الأنشطة التطوعية لحماية الأراضي ودعم كبار السن، مؤكدًا أن "قوة حياتنا الفلسطينية في الثبات، والعيش المشترك، والتمسك بالأرض رغم كل شيء".