إيطاليا – فلسطين - حذّر الأب بشّار فواضله، كاهن كنيسة المسيح الفادي للاتين في الطيبة شرق رام الله، من تصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على البلدة والقرى المجاورة، مؤكّدًا أن ما يجري يشكّل حملة ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان والوجود الفلسطيني، ولا سيما الوجود المسيحي في القرية الفلسطينية الوحيدة ذات الغالبية المسيحية الكاملة في الضفة الغربية.
وقال الأب فواضله، في شهادة صحفية لوكالة الأنباء الإيطاليةSIR ، إن الطيبة تتعرض في الآونة الأخيرة لسلسلة من الانتهاكات شملت مصادرة أراضٍ زراعية، واقتحامات متكررة للأحياء السكنية، واعتداءات جسدية، إضافة إلى إحراق مركبات وممتلكات خاصة، في ظل غياب الحماية والمساءلة. واعتبر أن هذه الممارسات تمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.
ووفق توثيق كاهن الرعية، شهدت الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2026 وحتى 5 شباط/فبراير الحالي اعتداءات متعددة، من بينها استيلاء مستوطنين بالقوة على منشأة زراعية يستخدمها مزارعون محليون، وأعمال تخريب طالت أراضي وأسوارًا ومزارع خاصة. وأكد أن هذه الأفعال تندرج في إطار "التدمير والمصادرة غير القانونية لممتلكات مدنية محمية".
وأشار الأب فواضلة إلى أن معاناة أهالي الطيبة والقرى المجاورة مع مصادرة الأراضي ليست جديدة، شأنها شأن سائر مناطق الضفة الغربية، إذ جرت خلال السنوات الماضية مصادرة عشرات الدونمات في الطيبة لصالح التوسع الاستيطاني، أُقيمت على جزء منها مستوطنة "ريمونيم"، فيما استُخدم جزء آخر لشقّ طرق تخدم المستوطنات وتمتد وصولًا إلى أريحا وغور الأردن.
البؤر الاستيطانية
وفي سياق التوسع الاستيطاني في محيط الطيبة والقرى المجاورة، قال الأب بشّار فواضلة إن البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية باتت تشكّل إحدى أخطر أدوات التمدّد على الأرض، لما لها من تأثير مباشر وقاسٍ على حياة السكان الفلسطينيين، ولا سيما المزارعين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزق أساسي. وأوضح أن هذه البؤر، التي يقيمها مستوطنون في كثير من الأحيان بدعم أو بتواطؤ من سلطات الاحتلال، تستهدف السيطرة على الأراضي الزراعية وتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، بما في ذلك في المناطق المحيطة بالطيبة.
وأشار فواضلة إلى أن اتساع عدد هذه البؤر والمزارع الرعوية في الضفة الغربية، وانتشارها على مساحات واسعة، أسهم في توسيع النفوذ الاستيطاني خارج نطاق المستوطنات الرسمية، وربطها ببعضها عبر شق طرق جديدة، الأمر الذي أدى عمليًا إلى السيطرة على موارد أساسية من الأرض والمياه. وأضاف أن المزارعين الفلسطينيين يجدون أنفسهم إما مجبرين على مغادرة أراضيهم، أو عاجزين عن الوصول إليها بفعل الحواجز التي يفرضها المستوطنون والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال.
ولفت إلى أن من أبرز انعكاسات هذه البؤر منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، خاصة خلال مواسم قطف الزيتون والعناية بالمحاصيل، حيث يضطر كثيرون إلى تغيير مساراتهم أو الامتناع عن الوصول إلى أراضيهم خشية الاعتداءات. واعتبر أن هذا الواقع يضرب مصادر الدخل الأساسية للعائلات الزراعية، ويخلّف آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد على القرى المحيطة، وفي مقدمتها الطيبة.
وختم فواضلة بالإشارة إلى أن تقارير وإفادات صادرة عن منظمات دولية تؤكد أن هذه الممارسات تُستخدم كوسيلة لفرض وقائع جديدة على الأرض وتقليص سيطرة الفلسطينيين على مساحات واسعة من الضفة الغربية، ما يزيد من الضغط على المجتمعات الزراعية ويضعها أمام تحديات تهدّد استمراريتها وقدرتها على الصمود.
عنف وترهيب ممنهجان
وأوضح الأب فواضله أن الاعتداءات لا تقتصر على الأرض، بل تشمل ترهيب السكان المدنيين، عبر اقتحامات متكررة للأحياء، ليلًا ونهارًا، وسلوكيات استفزازية تطال بشكل خاص الشبان. كما تعرّض مزارعون فلسطينيون، ولا سيما مربو الماشية والعاملون في مزارع الدواجن شرق الطيبة، لتهديدات ومضايقات أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم، ما ألحق أضرارًا مباشرة بمصادر رزقهم وخلق حالة خوف دائمة.
وفي بلدات مجاورة، سجّلت اعتداءات أكثر خطورة، إذ أُصيبت امرأة فلسطينية في بيرزيت بجروح استدعت نقلها إلى المستشفى، فيما أقدمت القوات الإسرائيلية لاحقًا على اعتقال أبنائها وعدد من أقاربها بدلًا من ملاحقة المعتدين. وفي عين عريك، تعرّض مدني فلسطيني، وهو من أبناء الرعية اللاتينية، لاعتداء جسدي على يد مستوطنين، في انتهاك واضح للأمن الشخصي والحرية الدينية.
أما أحدث الاعتداءات، فوقع فجر 4 شباط/فبراير في الطيبة، حين أقدم ثلاثة مستوطنين، يُعتقد أنهم من جماعة "شبيبة التلال"، على إحراق مركبتين مدنيتين قرب المقبرة، في ساعات الليل المتأخرة، ما أثار حالة من الذعر في صفوف الأهالي.
نداء عاجل
وأكد الأب فواضله أن ما يجري "يشكّل خروقًا جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة، بما في ذلك ترهيب أشخاص محميين، وتدمير ومصادرة ممتلكات، وفرض عقوبات جماعية، وفشل سلطة الاحتلال في حماية المدنيين". ودعا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته، عبر توفير حماية فورية للسكان، وضمان محاسبة المعتدين، ووضع حدّ لحالة الإفلات من العقاب.
وتأتي هذه الاعتداءات في سياق سلسلة هجمات شهدتها الطيبة خلال الأشهر الماضية، شملت إحراق مداخل البلدة، ومناطق قرب المقبرة التاريخية، وامتداد النيران إلى محيط كنيسة القديس جاورجيوس الأثرية العائدة إلى القرن الخامس، إضافة إلى تكرار أعمال التخريب والكتابات العنصرية، حتى في فترات تزامنت مع زيارات كنسية ودبلوماسية رفيعة المستوى.
المصدر: وكالة الأنباء الإيطالية SIR
عن شهادة للأب بشّار فواضله، كاهن رعية الطيبة
ترجم بتصرف: نبض الحياة