Skip to main content

«أنتُم مِلحُ الأرض»… دعوة إلى التأثير لا إلى الظهور

الصليب

أربيل - لطالما كان الملح عنصرًا أساسيًّا في حياة الإنسان وضرورةً لا غنى عنها، فهو لا يضفي على الطعام نكهةً فحسب، بل يحفظه أيضًا من الفساد، ويمنح ما هو مهدّد بالتحلّل قدرةً على البقاء والاستمرار.

اختار ربّنا يسوع رمزيّة الملح وتأثيره ليقول من خلاله لتلاميذه، ولنا أيضًا، كلمةً بسيطة لكنّها مُؤثّرة وحاسمة: «أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ». وكأنّه أراد أن يُذكّر تلاميذه والمؤمنين بهويّتهم التي تُعاش في الداخل، ويدعوهم إلى التعرّف عليها، كما بيَّنَ المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه.

وأشار إلى أنّ ربَّنا لم يُشَبّه تلاميذَه بأشياء عظيمة في نظر العالم، بل اختار عنصرًا بسيطًا جدًّا. فالملح المضاف إلى الطعام لا يُرى، بل يُشْعَر بطعمه وما يضفيه من نكهة. ويمكننا أن نُجرّب الاستغناء عنه لندرك كم هو أساسيّ.

نكهة الإنجيل

ودعا إلى التأمّل في عمل الملح، «كم هو ضروريٌّ وفعّال! لكنّه خفيّ. لا يَفرض نفسه على العين، ولا يسعى إلى لفت الانتباه، بل يذوب في الطعام ليغيّر كلّ شيء من الداخل. هكذا التلميذ الحقيقيّ ليسوع. ليس مدعوًّا إلى أن يملأ العالم ضجيجًا، ولا أن يجعل نفسه مركز المشهد، بل أن يدخل إلى واقع الحياة اليوميّة بتواضعٍ، يذوب فيها، ويمنحها شيئًا من نكهة الإنجيل».

وتابع: «يُمكننا القول إنّ ربّنا يسوع أراد تحرير تلاميذه من وهم التأثير المرئي في المحيط، والبحث عن المكانة المتميّزة والظهور وسط المجتمع، ليقودهم إلى عمق التأثير الداخليّ. ومن خلالهم يدعونا إلى إدراك ما يريدنا الله أن نكونه، قبل أيّ فعل. فحين نحمل في داخلنا طَعمًا من مِلح الله سيتسرّب تأثير الله وفِعْله إلى العالم من خلالنا، فيستطيع الحضور المسيحيّ أن يغيّر كلّ شيء دون أن يستعرض نفسه، ويكون ملحًا يعمل بصمت».

يعيش إنسان اليوم في عالمٍ تعلو فيه الأصوات وتتزاحم الآراء ويتسابق كثيرون إلى الشهرة ولفت الأنظار، حتى غدا الجميع يسعى إلى أن يُرى وأن يُسمع. لكنّ يسوع يقترح طريقًا مختلفًا تمامًا: طريق الحضور الصادق. ويعلّمنا أنّ المهمّ ليس أن يكون صوتك أعلى، بل أن يكون حضورك أصدق، وعِوَض أن تملأ العالم كلامًا، اسعَ لتضيف إليه معنًى، وفق وردة.

وختم: «من هنا نفهم أنّ ربّنا يسوع لا يطلب من تلاميذه أن يكونوا مجرّد أُناسٍ صالحين في العالم، بل أن يكونوا حضورًا يحفظ الحياة من التعفّن، ويعيد إليها طعمها الحقيقيّ».

المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.