الأب ألبير هشام نعّوم :
لا نريدُ من هذا العنوان أن ندورَ حول أنفسنا، بل أن ننطلقَ من واقعٍ بدأنا نشهدُ اتجاهاتِه بصورةٍ واضحة في العقودِ الأخيرة، وبدأتْ أطرافُ نهاياتِه تتراءى لنا عن قُرب، فهل سنحاولُ أن نراوحَ مكانَنا عند تلك النهاياتِ الخطرة، أم ستكونُ لنا شجاعةُ الرجوع إلى هوّيتِنا الأصليّة: الإنجيل، وأن ننطلقَ من كلمتِه مجددًا. وهذا ما فعلَهُ القدّيسون على مدى تاريخِ الكنيسة.
فمعَ أنّ الكنيسةَ تنطلقُ في رسالتِها من مبادئ عقائدية ثابتة لا تتغير، كان لابدَّ من روحِ التغيير الذي فتحَ الأبوابَ أمامَهُ البابا القدّيسُ يوحنا الثالث والعشرون عبر المجمع الفاتيكاني الثاني في ستينيّات القرن الماضي. ولم يكنْ في نيّةِ البابا القدّيس، كما أعلنَ بنفسه وقتذاك، أن يعلنَ عقيدةً جديدة، ولا أن يحرّكَ ثابتًا، بل أرادَ ببساطةٍ مساعدةَ الكنيسة الجامعة في إيجادِ طرقٍ جديدة لإعلان الإنجيل. وهذا ما تحاولُ الكنيسة فعلَهُ إلى اليوم!
كانت الانطلاقةُ من هناك حتّى لكنائسِنا الشرقيّة؛ فمعَ أن روحَ التجديد المجمعي تأخرَ قليلاً إلى أن وصلَ إلينا، إلا أنّه كان سببًا لبعض الأشخاص، وليس الجميع، في ابتكار طرقٍ تفكيرٍ جديدة تلاءم هيكلية مجتمعاتنا الشرقيّة، مع التحدّيات والتغيّرات التي شهدتها، ولا زالت تشهدُها، منطقتُنا بصورةٍ متسارعة.
وبينما قامَ البعضُ باتّباع التجديدات التي أرادها المجمعُ، قام آخرون بـتقليدها، ولكنّهم أخذوا منها السطحَ وتركوا الجوهرَ الذي نادى به المجمعُ. ولا زال البعضُ لا يريدُ أن يفهمَ الجوهرَ، ويكتفي بسطحيّةِ الكلام لأنّها توفّرُ نتائجَ ملموسةٍ وسريعة، ولكن أبسط ما يُقال عنها إنّها غير روحيّة!
وهنا أذكرُ نداءَ البابا الراحل فرنسيس، في إرشاده الرسولي "فرح الإنجيل"، في الفقرة (49): "لننطلقْ، لننطلقْ كي نقدّمَ للجميع حياةَ يسوع المسيح". والخطرُ أن ينطلقَ البعضُ لكن لا ليقدّموا المسيحَ، بل ليكتشفوا العالمَ ويبقوا في منطقه غير المسيحي! والأخطرُ من ذلك أن يعتقدَ هؤلاء أنّهم يقومون برسالتهم الإنجيليّة لمجرّد أنّهم انطلقوا من داخل الكنيسة وذهبوا خارجها، غير واعين أن هذه الحركة تحتاجُ فعلاً آخر لتصبح مسيحيّة!
فعلُ الذهاب إلى الخارج لابدّ أن يُرفَقَ مع فعل الزرع، وهكذا يبدأُ يسوعُ مثلَ الزارع: "خرجَ الزارعُ ليزرع..." (متّى 13/ 3)، فلا يمكنُ أن نخرجَ لنُلملِمَ ما زادَ عن العالم، بل ما يعطفُ به العالمُ علينا، بل علينا أن نخرجَ لنعطيَ بذارَ الكلمة للعالم، وهذا ما يجعلُنا نواجهُ تحدّياتٍ كثيرة لابدّ أن نواجهَ اضطهادَها برجاء.
من قررَ أن يخرجَ إلى العالم دون أن يعطيَهُ شيئًا، فإنّه لن يبقى "كنيسة"، بل سيلبسُ ملابسَ الكنيسة ويصبحُ أيّ كينونةٍ أخرى غير أن يكون كنيسةً! وهذا هو الخطرُ الأكبر! ولكن، من خرجَ ليزرع، فإنّهُ سيواجهُ تحدّيَ الأراضي الثلاث التي لا تثمرُ لأسبابٍ مختلفة، ولكنّه سيبقى يرجو الأرضَ الرابعة التي تعطي ثلاثين وستّين ومئة.
لا تبحثُ الكنيسة عن الشهرة، العدد، المنصب، القوّة... بل تبحث عن الخدمة وسط الخسارة والخذلان والإحباط... ولذلك، نصبحُ "كنيسةً" بالرجاءِ فقط لا غير!
المصدر: موقع أبونا