سيتأسس في الولايات المتحدة أول مختبر للإخصاب في الأنابيب مؤتمت بالكامل. والجديد في الأمر هو أن التكنولوجيا ستتدخل مباشرة في العملية البيولوجية للإنجاب، دون وجود عنصر بشري. وهناك بالتالي خطر أن تكون الخوارزميّة هي التي تختار الجنين. وبالنسبة للورا بالازاني، العضو في الأكاديمية الحبريّة للحياة، فإن "السؤال الحاسم لا يقتصر على مدى فاعلية المنصة، بل يتعلق أيضاً في أي فكرة عن الحياة تسهم في نشرها".
يُدعى "Aura" وهو أول مختبر للإخصاب في الأنابيب مؤتمت بالكامل، أطلقته في بداية الشهر شبكة "Ivi Rma Global"، وهي أكبر شبكة دولية للطب التناسلي، بالتعاون مع " Conceivable Life Sciences" وسيبدأ العمل به العام المقبل في الولايات المتحدة، ليتوسع لاحقاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث سيجمع بين الروبوتات والبرمجيات الخوارزمية والأتمتة في مختبرات الإخصاب المساعد. والجديد هنا هو أن التكنولوجيا ستتدخل مباشرة في العملية البيولوجية للإنجاب، بدون مشغِّل بشري، أي بدون طبيب. ويكتنف التحدي الأكبر خطرُ اختزال الإنجاب البشري في عملية تقنية للإنتاج والانتقاء، واعتبار الجنين البشري بشكل متزايد منتجاً تكنولوجياً ينبغي تحسين جودته.
وتوضح لورا بالازاني، الخبيرة في الأخلاقيات البيولوجية وأستاذة في كلية فلسفة القانون والعضو في الأكاديمية الحبريّة للحياة، قائلة: "إن منصة "Aura"، المزودة بذكاء اصطناعي مادي، صُممت لأتمتة خطوات متعددة من الإخصاب في الأنابيب: بدءاً من التلاقي بين البويضة والحوين المنوي، مروراً بمراقبة نمو الجنين، ووصولاً إلى تقييم الأجنة المقرر نقلها. والهدف المعلن هو زيادة الدقة والكفاءة، وتقليل الأخطاء اليدوية، وتخفيف العبء عن أطباء الأجنة في المهام التكرارية، وتوحيد جودة العلاجات".
وتتابع الخبيرة: "إن التحول البيوأخلاقي يكمن في الانتقال من التكنولوجيا كأداة إلى التكنولوجيا كفاعل تنفيذي ومادي وصانع للقرار. وبذلك، يواجه الإنجاب البشري خطر تفسيره على أنه سلسلة من الإجراءات التي يجب تحسينها. غير أن الإنجاب ينطوي على المعاناة الناجمة عن العقم، وجسد المرأة، والعلاقة بين الزوجين، والمسؤولية الوالدية، ووضعية الجنين، ومصلحة المولود المستقبلي. ويمكن للتقنية أن تدعم المسار السريري، لكن لا يمكنها الاستعاضة عن العلاقة، والتمييز، والمسؤولية المنوطة بالطبيب. ومن ثم، تبقى التوعية والاستشارة والمرافقة البشرية أموراً لا غنى عنها في كل مرحلة".
فهل يمكن، إذن، الاستمرار في الحديث عن "إنجاب مساعد طبياً" عندما تُسند المساعدة أيضاً إلى نظام ذكاء اصطناعي مادي؟ ترى البروفيسورة بالازاني أنه "يمكن الحديث، بشكل وصفيّ على الأقل في الوضع الحالي، عن إنجاب مساعد طبياً وعالي الأتمتة. وفي الواقع، فإن التعبير الذي اعتدنا عليه—الإنجاب المساعد طبياً—يشير صراحة إلى مساعدة الطبيب والكوادر الطبية، ليس فقط من حيث التواجد المادي، بل وأيضاً في مرافقة العملية عبر التقييم السريري (تشخيص العقم أو شروط الحصول على التقنيات التناسلية، اختيار العلاجات والمتابعة، سحب الخلايا التناسلية ومعالجتها، الإخصاب في الأنابيب، زراعة الأجنة ونقلها)، ومراقبة الإجراءات، وتحمل مسؤولية الخيارات". وتستطرد البروفيسورة بالازاني قائلة: "إن المرافقة تتم في سياق علائقي يقوم على التوعية والاصغاء. وإذا لم يقتصر نظام مؤتمت على الأتمتة التشغيلية، أي تنفيذ المهام تحت إشراف الطبيب، بل تولى وظائف تشغيلية وتقريرية مستقلة، فلن تتغير الأداة المستخدمة فحسب، بل وطبيعة المساعدة نفسها. وينبغي للمصطلحات الجديدة أن تعكس درجة الأتمتة؛ إذ يمكن تسميتها بالإنجاب المؤتمت تكنولوجياً".
وهناك بالتالي خطر بيوأخلاقي محدد عندما تتولى الخوارزميّة، وليس طبيب الأجنة وحده، تقييم وانتقاء الأجنة المقرر نقلها. وتبرز بالازاني أنه "يجب توضيح أي القرارات تُسند إلى الخوارزميّة، وما هي درجة استقلاليتها، وما هو التحكم البشري الذي يبقى فعلياً"، مشيرة إلى أن "المشاكل الأولى تتعلق بمدى موثوقية التكنولوجيا من حيث السلامة والفاعلية، وجودة البيانات المستخدمة في التدريب، والتحيزات المحتملة التي تقلل الموثوقية أو قد تجحف بحق فئات معينة من المرضى، ومدى قابلية شرح المعايير المعتمدة لجعل الخوارزميّة مفهومة وقابلة للمتابعة. وحتى التقييم الذي يُقدم على أنه سريري حصرياً، والمبني على احتمالية انغراس الجنين ونموه، يمكن أن يدخل منطق الاستبعاد والتحسين على الحياة البشرية". وتضيف أنه من الضروري بالتالي "معرفة البيانات التي تدرّب عليها النظام، وما هي الخصائص التي يعتبرها مواتية، وما هو هامش الخطأ لديه. فالحد الفاصل بين السعي لنجاح الحمل والذهنية الانتقائية قد يصبح رفيعاً جداً. وتبرز هنا أيضاً مسألة المسؤولية".
"فعندما يتدخل الطبيب، وطبيب الأجنة، والعيادة، والمُصنع، ومصمم الخوارزميّة، يكمن الخطر في تشتت المسؤولية. فيما يجب أن يبقى بالإمكان دائماً تحديد مسؤول بشري عن القرارات. كما يجب أن تكون الموافقة المستنيرة محدّدة: إذ ينبغي للزوجين معرفة الخطوات المؤتمتة، والبيانات التي يتم جمعها، وكيفية تقييم الأجنة، والأدلة السريرية الموجودة والشكوك المتبقية، والغموض المحتمل للنظام. فالموافقة العامة على استخدام الذكاء الاصطناعي لن تكون كافية".
وماذا يعني، في هذا السياق، حماية الحياة البشرية الناشئة من منظور شخصاني، وما هي الحدود العلمية التي يجب وضعها للتكنولوجيا؟ ليس لدى البروفيسورة بالازاني أدنى شك: "المنظور الشخصاني يعترف بكرامة الحياة البشرية منذ بدايتها. فالجنين ليس منتجاً مخبرياً ولا مجرد موضوع للتصنيف، بل هو حياة بشرية هشة، مستودعة لمسؤولية الآخرين وتستحق الحماية". وترى أن الخطر الثقافي للأتمتة يكمن في أن "يُتنظر إلى الطفل كأنه النتيجة المتوقعة لعملية إنتاجية، خاضعة لمعايير الكفاءة والانتقاء والرقابة. في حين أن الرؤية الإنسانية الأصيلة للإنجاب تعترف بالطفل كعطية وكائن يجب استقباله، لا كمنتج يجري إتقانه".
وترى البروفيسورة بالازاني أن الحدود العملية للاستخدام يجب أن تشمل على الأقل: "إشرافاً بشرياً حقيقياً لا شكلياً؛ والتحقق السريري المستقل من الموثوقية؛ والشفافية وتتبع المعايير الخوارزمية؛ وحظر استخدام معايير غريبة عن الغايات السريرية المحددة بدقة؛ وتحديد المسؤولية بوضوح؛ وحماية البيانات؛ والموافقة المستنيرة المحددة؛ والتحقق من التكافؤ في الوصول". وخلصت البروفيسورة لورا بالازاني إلى القول إن "السؤال الحاسم ليس فقط ما إذا كانت المنصة تعمل، بل في أي فكرة عن الحياة الوالدية والولادة تسهم في نشرها. فالأخلاقيات البيولوجية ليست معادية للابتكار: بل تطالب بأن يبقى في خدمة الشخص، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، وألا يحل محل الحكمة والتمييز والعلاقة والمسؤولية الأخلاقية. ففي الطب التناسلي، هناك حاجة للإصغاء والمرافقة النفسية والقدرة على إدراك الحدود. ولا يمكن لأي خوارزمية أن تتولى هذه المهام بالكامل".
المصدر: الفاتيكان نيوز