أربيل - أمام تحدّيات الحياة ومصاعبها الجمّة، يقف الإنسان مُتعَبًا وخائفًا يبحث عن راحةٍ وطمأنينة: يختار بعضهم مواجهتها متسلِّحين بتعليم الإنجيل، ويلجأ بعضٌ آخَر إلى السحر والشعوذة والعِرافة، وما بينهما نسعى إلى معرفة ما يقوله إيماننا المسيحيّ بشأن اللجوء إلى هذه الممارسات، وكيف يُحرّرنا من الخوف لنستعيد حُرّية أبناء الله.
يشرح المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، عبر «آسي مينا»، كيف يكشف لنا الكتاب المقدَّس أطماع الواقفين خلف هذه الممارسات ومتاجرتهم بآلام الناس ومخاوفهم. ويستشهد بأعجوبة شفاء «جَارِيَة بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ» على يد بولس الرسول مُحرِّرًا إيّاها «بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ»، ولكن «لَمَّا رَأَى مَوَالِيهَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ رَجَاءُ مَكْسَبِهِمْ» غضبوا لخسارتهم مصدر الأموال عوض الفرح بشفائها (أع 16).
حبّ يلاشي المخاوف
وأوضح أنّ المؤمنين الأوائل كانوا يختارون تبنّي موقفٍ حاسمٍ تجاه هذه الممارسات قوامه قطيعة جذريّة ونهائيّة، بمجرّد لقائهم المسيح لقاءً حقيقيًّا، «فيَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ» (أع 19: 18-19)، ليقينهم أنّهم ما عادوا يحتاجون إلى أدوات سحرٍ للسيطرة على مخاوفهم، لأنهم وجدوا علاقة حبٍّ حقيقيّة لاشَت المخاوف.
وضع بولس الرسول السِّحر صراحةً ضمن الأعمال التي تُفسد حرّيّة الإنسان وتحرمه ملكوت الله «وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنًى، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، سِحْرٌ... إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله» (غل 5: 19-21). ويتصاعد التحذير في سفر الرؤيا، بشأن مصير «الخَائِفين وَغَيْر المُؤمِنِين وَالرَّجِسين وَالْقَاتِلين وَالزُّنَاة وَالسَّحَرَة وَعَبَدَة الأَوْثَانِ وَجَمِيع الكَذَبَة»، معلنًا أنّ «نَصِيبهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ المُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ»، بحسب وردة.
وتابع: «كثيرًا ما حذّر بولس من الانبهار بالفلسفة وبغرورٍ باطل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ. ونبّه المؤمنين إلى أنّ المسيح هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ، وبه تبلغ حياتنا الملء فلا نحتاج سواه بدائل أو إضافات».
روح التمييز
يعلّمنا الإنجيل المقدَّس أنّ الملتجئ إلى السحر والعرافة يقوده روح الخوف، متجاهلًا عطيّة الله وقوامها روح القوّة والمحبّة والتمييز. فهل تكتفي كلمة الله بالتحذير تاركةً الإنسان في فراغ بعد أن يغلق الأبواب الخاطئة؟ يحيلنا وردة إلى كلمات الربّ يسوع لنجد فيها بديلًا واضحًا وبسيطًا وصعبًا في الوقت نفسه، الثقة. فالربّ يوصينا قائلًا: «فَلا تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ»، في دعوةٍ إلى تحرير القلب والروح من مخاوف المستقبل المجهول، من دون إهمال التخطيط والاجتهاد.
ويختم: «الباحث عن طمأنينةٍ عبر العرافة والسحر وأسرار الغَيب سيمتلئ قلبه قلقًا واضطرابًا وضلالًا. والباحث عن سلام نفسه في تعليم الإنجيل وكلمة الله سيحظى بالسكينة والنور وينال الملكوت».
المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.